مصطفى صادق الرافعي
84
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
الأحكام ؛ فأسسوا أصوله ، وفرّعوا فروعه ، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا ، وسموه بعلم الفروع ، وبالفقه أيضا . « وتلمّحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة ، والأمم الخالية ، ونقلوا أخبارهم ، ودوّنوا أخبارهم ووقائعهم ، حتى ذكروا بدء الدنيا وأوّل الأشياء ؛ وسموا ذلك بالتاريخ « 1 » والقصص . « وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال ، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير وذكر الموت والميعاد والحشر والحساب والعقاب والجنة والنار - فصولا من المواعظ وأصولا من الزواجر ، فسموا بذلك الخطباء والوعاظ . « وأخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السّهام وأربابها وغير ذلك - علم الفرائض ، واستنبطوا منها من ذكر النصف والربع والسدس والثمن حساب الفرائض . « ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالة على الحكم الباهرة في الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج غير ذلك ، فاستخرجوا منه علم المواقيت « 2 » . « ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ ، وبديع النظم ، وحسن السياق ، والمبادئ والمقاطع والمخالص والتلوين في الخطاب ، والإطناب والإيجاز ، وغير ذلك ، واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع » . انتهى تحصيلا . وإنما أوردنا هذا القول لنكشف لك عن معنى عجيب في هذا الكتاب الكريم ، فهو قد نزل في البادية على نبي أميّ وقوم أمّيين لم يكن لهم إلا ألسنتهم وقلوبهم ، وكانت فنون القول التي يذهبون فيها مذاهبهم ويتواردون عليها ، لا تجاوز ضروبا من الصفات ، وأنواعا من الحكم ، وطائفة من الأخبار والأنساب ، وقليلا مما يجري هذا
--> ( 1 ) يجهل كثير من الناس أصل تسمية كتب الوقائع والأحداث وما إليها بالتاريخ ، إنما هو أصلها ، فكانت في مبدأ أمرها مقصورة على ما في القرآن من أخبار الأولين وقصصهم . ثم أطلقت التسمية فاستعملوها فيما اتسع من هذا العلم ، وهو استعمال تواضع عليه أهل القرن الثاني للهجرة ، أما في القرن الأول فلم يكن من يعرف من معنى ( التاريخ ) إلا التوقيت . أي تعيين الوقت . ( 2 ) قال بعض المتأخرين : إن الميقات ( أي العلم الذي تعرف به أزمنة الليالي والأيام وأحوالها ومقاديرها لإيقاع العبادات في أوقاتها ) مشار إليه في القرآن بقوله تعالى : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ قال : فإن عدد ( رفيع ) أي بحساب الجمل - ثلاثمائة وستون وهي عدد درج الليل والنهار « قلنا » وإذا أطلق حساب الجمل في كلمات القرآن كشف منه كل عجائب العصور وتواريخها وأسرارها . ولولا أن هذا خارج عن غرض الكتاب لجئنا منه بأشياء كثيرة من القديم والحديث .